الشيخ الطبرسي

320

تفسير جوامع الجامع

مُرْسِلِينَ ( 5 ) رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 6 ) رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالاَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِنْ كُنتُم مُّوقِنِينَ ( 7 ) لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْىِى وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآبِكُمُ الاَْوَّلِينَ ( 8 ) بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ ( 9 ) ) . ( إِنَّا أَنْزَلْنَهُ ) جَوابُ القَسَمِ ( فِي لَيْلَة مُبَرَكَة ) هي ليلةُ القَدْرِ وهو الصَّحيحُ ، وقيلَ : ليلةُ النِّصْفِ من شَعْبان ( 1 ) . ومعنى إنزالُ اللهِ القُرآنَ في ليلةِ القَدْرِ أنَّه أَنزَلَهُ جُملةً واحدةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا فيها ، فكانَ جبرئيلُ يُنزِلُهُ إلى رسولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نُجُوماً ، وقيلَ : كانَ يُنْزِلُ ما يَحتَاجُونَ إليهِ في كلِّ سَنَة : في هذهِ اللَّيلةِ ، ثمَّ كانَ يُنزِله شَيئاً فشَيئاً وَقْتَ الحاجةِ ( 2 ) . وَسُمِّيتْ مُبَاركةً لأنَّ فيها يقسمُ اللهُ نِعَمَهُ على عبادِهِ فَتَدُومُ بَرَكاتُها ، والبَركَةُ : نماءُ الخَيْرِ ، والمُبَاركةُ : الكثيرةُ الخَيْرِ والبَرَكَةِ ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ فيها إلاَّ إنْزالُ القُرآنِ لَكَفَى بِهِ بَرَكَةً . ( فِيهَا يُفْرَقُ ) أي : يُفصَّلُ ويُكتَبُ ( كُلُّ أَمْر حَكِيم ) كلُّ شأْن ذي حِكْمة ، أي : مفعُولٌ على ما تَقْتَضيهِ الحِكْمةُ من أَرْزاقِ العبادِ وآجالِهِم وغيرِ ذلكَ من أُمورِ السَّنَةِ إلى الليلةِ الأُخرى القَابلةِ ، وَوَصْفُ الأَمْرِ بالحكيمِ مَجَازٌ ؛ لأنَّ " الحَكِيم " صِفَةُ صاحِبِ الأَمْرِ على الحقيقةِ . وقَولُهُ : ( إنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْر حَكِيم ) جُملتانِ مستأْنَفَتانِ ملفُوفَتان فُسِّرَ بِهِما جَوابُ القَسَمِ ، كأنَّهُ قيلَ : إنَّا أَنْزلناهُ لأنَّ من شَأْنِنا الإِنْذارَ ، وأَنْزلناهُ في هذهِ الليلةِ خُصُوصاً لأنَّ إنْزالَ القُرآنِ من الأُمور الحكيمةِ ، وهذهِ الليلةُ مفْرَقُ كلِّ أَمْر حَكيم . ( أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا ) نَصْبُ على الاختصاصِ ، أي : أَعْني أَمْراً حَاصِلاً من عنْدِنا على ما اقتضَتْهُ حِكْمتُنا وتَدبيرُنا ، ويجوزُ أَن يُرادَ بِهِ الأَمرُ ضدُّ النَّهي فَوضِعَ موضِعَ

--> ( 1 ) وهو قول عكرمة . راجع تفسير الماوردي : ج 5 ص 244 . ( 2 ) قاله قتادة وابن زيد . راجع تفسير البغوي : ج 4 ص 148 .